أحمد ايبش

75

دمشق في مرآت رحلات القرون الوسطى

ولدمشق ثمانية أبواب « 1 » : باب شرقي ، وهو شرقي [ المدينة ] وفيه منارة بيضاء يقال إن عيسى عليه السّلام ينزل فيها كما جاء في الأثر أنه ينزل في المنارة البيضاء شرقي دمشق ، ويلي هذا الباب باب توما ، ثم باب السّلامة ، ثم باب الفراديس ، ثم باب الفرج ، ثم باب النّصر ، ثم باب الجابية ، ثم باب الصغير . والأرباض تطيف بالبلد كله ، إلا من جهة الشرق ، مع ما يتصل بالقبلة يسيرا وله أرباض كثيرة ، والبلد ليس بمفرط الكبر وهو مائل للطول . وفي داخل البلد كنيسة لها عند الرّوم شأن كبير تعرف بكنيسة مريم ، ليس بعد بيت المقدس عندهم أفضل منها ، وهي بأيدي الرّوم لا اعتراض عليهم فيها . وبالبلد نحو عشرين مدرسة ومارستانان ، أحدهما جارية في اليوم نحو الخمسة عشر دينارا ، وله قومة برسم المرضى والنّفقة التي يحتاجون إليها في الأدوية والأغذية ، والأطباء يبكرون إليه كل يوم ويأمرون بإعداد ما يصلحهم من الأدوية والأغذية . وفيه مجانين معتقلون لهم ما يخصّهم من العلاج ، وهم في سلاسل موثقون ، نعوذ باللّه من البلاء . ومن أغرب أحاديثهم أن رجلا كان يعلّم القرآن ، وكان يقرأ عليه صبيّ من أهل البلد اسمه « نصر اللّه » ، هام به المعلّم وزاد كلفه به حتى اختلّ عقله وأوى إلى المارستان ، واشتهرت علّته وفضيحته بالصبي ، فقيل له : اخرج وعد إلى ما كنت عليه من القرآن ، فقال متماجنا : وأيّ قراءة بقيت لي ؟ ما بقي في حفظي من القرآن شيء سوى : إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ . فضحك منه ، نسأل اللّه العافية . وما زال هناك حتى مات ، لطف اللّه به . وأما رباطات الصوفية التي يسمّونها الخوانق فكثيرة ، وهي قصور مزخرفة ، في جميعها الماء يطّرد . وهناك ديار موقوفة لقراءة كتاب اللّه تعالى يسكنونها ، ومرافق الغرباء أكثر في البلد من أن تحصى ، لا سيما لحفّاظ كتاب اللّه تعالى والمنتمين للطّلب .

--> ( 1 ) أصل أبواب دمشق سبعة من أيام الرّومان ، زيد عليها 3 : السّلامة والفرج والنّصر .